الزركشي

261

البرهان

وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين ، وآل عمران مكملة لمقصودها ; فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم ، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ; ولهذا قرن فيها ذكر المتشابه من بظهور الحجة والبيان ; فإنه نزل أولها في آخر الأمر لما قدم وفد نجران النصارى ، وآخرها يتعلق بيوم أحد . والنصارى تمسكوا بالمتشابه ، فأجيبوا عن شبههم بالبيان . ويوم أحد تمسك الكفار بالقتال فقوبلوا بالبيان ، وبه يعلم الجواب لمن تتبع المتشابه من القول والفعل . وأوجب الحج في آل عمران ، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بتمامه بعد الشروع فيه ، ولهذا ذكر البيت والصفا والمروة . وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر ، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر ; لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم ، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر ; كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ; ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء ، فخوطب بها جميع الناس والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين ، فخوطبوا : يا أهل الكتاب ، يا بني إسرائيل . وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التي بين الناس ; وهي نوعان : محلوقة لله تعالى ، ومقدورة لهم ; كالنسب والصهر ، ولهذا افتتحها الله بقوله : * ( ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) * ثم قال : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) * ; وبين الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما بينهم ; وما تعلق بذلك من أحكام الأموال والفروج والمواريث . ومنها العهود التي حصلت بالرسالة ، والتي أخذها الله على الرسل . وأما المائدة فسورة العقود ، وبهن تمام الشرائع ; قالوا : وبها تم الدين ، فهي سورة